2024208194886730904365429083536687128329224650425385324472245757212526005225830020271055610772575757800065423858507245242200532755675765621555

الجذور الثنائية في المعجم العربي




  • بقلم الأستاذ : المهدي فاضل


إن النحاة والمعجميين العرب لا يعترفون بوجود جذور ثنائية في اللغة العربية، وذلك انسجاما مع فكرة الميزان الصرفي، فمتى وجدوا جذرا ثنائيا افترضوا أنه ثلاثي. ولم يخصصوا داخل معجمية للثنائي كما سبق أن ذكرنا. ولكننا وجدنا هذه الظاهرة موجودة في السامية الأم
، ويؤكد العديد من الباحثين كما سبق أن وضحنا وجود مثل هذه الجذور في اللغة العربية، ومن بينهم برجستراسر الذي يقول: "إن أقدم الأسماء صيغة، هي الأسماء الثنائية. والعربية حافظت على بنائها الأصلي في كثير منها، غير أنها اشتقت من بعضها صيغا جديدة، بزيادة أحد حرفي العلة، أو بزيادة همز، أو هاء، مثال ذلك في الجمع الصحيح: (أخوات) وفي جمع التكسير: (آباء) و(مياه)، وفي الأسماء المشتقة: (أبوّة) و (بُنَيَّ). وفي الأفعال المشتقة (سمىَّ) و (تَبَنى)"[1].
وعدد الجذور الثنائية الممكن رياضيا أيضا يوضح أنه ستكون بالضرورة جذور ثنائية في اللغة العربية؛ بالرغم من أنها لا يمكن أن تستوفي العدد كله نظرا لقيود التأليف المفروضة على بناء الجذور في اللغة العربية.
         حيث نجد السيوطي يقول: “فإذا أردت أن تستقصي من كلام العرب ما كان على حرفين مما تكلموا به أو رغبوا عنه مما يأتلف أو لا يأتلف، مثل، كم، وقد، وعن، وأخواتها؛ فانظر إلى الحروف المعجمة وهي ثمانية وعشرون حرفا، فاضرب بعضها في بعض تبلغ سبع مائة وأربعة وثمانين حرفا، فاضرب بعضها في بعض تبلغ سبع مئة وثمانين حرفا ولا يكون الحرف الواحد كلمة؛ فإذا أزوجتهن حرفين صرن ثلاثة مائة واثنين وتسعين بناء مثل دم وما أشبهه، فإذا قلبته عاد إلى سبع مئة وأربعة وثمانين بناء منها ثمانية وعشرون بناء مشتبهة الحرفين مثل هه قلبه وغير قلبه لفظ واحد"[2].
وهذا يمكن ملاحظته أيضا من خلال الدراسة الإحصائية لمعجم الصحاح، إذ نجد أن الدكتور علي حلمي موسى يقول: "الجذر الثنائي هو المكون من حرفين، يحتل الموقع الأول فيه أحد الحروف الهجائية الثمانية وعشرين، بينما يحتل الموقع الثاني أحد تلك الحروف بالإضافة إلى "ألف المد" وعلى ذلك تصبح احتمالات الحرف الثاني هي29احتمالا، ومن ثم يكون عدد الجذور الثنائية المسموح بها رياضيا هي (28*29) أي 812 جذرا ثنائيا، بينما نجد أن عدد تلك الجذور التي  أوردها "الجوهري" في معجمه 21وهي حوالي جزء من الأربعين جزء من المسموح به رياضيا"[3].
فما نلاحظه من خلال هذه الإحصائيات هو أن عدد الثنائي الذي  يجب أن يكون في اللغة العربية عدد لا يستهان به، بالرغم من أن الدكتور علي حلمي أدخل الألف في إحصاءاته وهو لا يشكل صوتا من الصوتيات الأصول. وكذلك نجد أن هذا العدد الإجمالي الممكن للجذور الثنائية يتضمن المهمل. ولكننا نجد أن الجوهري في الصحاح كغيره من المعجميين العرب أورد جذورا ثنائية قليلة وحتى هذا العدد اليسير الذي أورده لا يتضمن جذورا اسمية أو فعلية، بل تقتصر هذه الجذور على الحروف وأسماء الأفعال. إذ يقول الدكتور حلمي عن هذه الجذور الثنائية التي وردت في الصحاح: "قد خلت من الكلمات (أب، أم ...) وكذلك من الكلمات (عض، مد ...) ولكن جميع هذه الكلمات ومثيلاتها قد ظهرت ضمن الجذور الثلاثية على صورة (أبو، أمو...) وكذلك (عضض، مدد...)"[4].
فمثل هذه الجذور يُفترض أنها ذات أصول ثلاثية على الرغم من أننا نجد أن الصوت الثالث الذي يعده النحاة أصلا لا يظهر في جميع تصاريف هذه الكلمات. باعتبار أن الجذور تتشكل من الصوتيات الأصول التي تظهر في كل تصاريف الكلمة كما يقول ابن يعيش: "إذا وردت الكلمة وفيها بعض حروف الزيادة، ورأيت ذلك الحرف قد سقط في بعض تصاريفها، حكمت عليه بأنه زائد لسقوطه، إذ الأصل ثابت لا يسقط"[5].

  1. أ‌-     جذور ثنائية سالمة:


ومن بين الجذور الاسمية الثنائية الموجودة في اللغة العربية نجد ألفاظا مثل: "أب، أخ، حم، هن، يد، دم، ابن، اسم، است، سنة، عضة، شفة، رئة..."
سأبدأ بتوضيح الأصول الثنائية لبعض للأسماء الدالة على القرابة أولا، منها أب، أخ، حم، هن.
فأصل لفظة "أب" ثلاثي عند المعجميين والنحاة العرب، حيث نجد أنها وردت في معجم العين في مادة (أبو) إذ يقول الخليل: "أبوة الرجل أبوه إذا كنت له أبا. (...) وتصغير الأب: أُبَي، وتصغير الآباء على وجهين: فأجودهما أُبَيُّون، والآخر أُبيّاء"[6].
ويقول الجوهري: "والأب أصله أبو بالتحريك، لأن جمعه آباءٌ، (...) فالذاهب منه واو، لأنك تقول في التثنية أبوان. وبعض العرب يقول أبان على النقص، وفي الإضافة أبيك، إذا جمعت بالواو والنون قلت أبون، وكذلك أخون وحمون وهنون"[7].
إن الأصل في أب أبو؛ لأن الواو تظهر في بعض تصاريف الكلمة، مثل أبوان في التثنية وأبون إذا تم الجمع بالواو والنون.

والأصل في "أخ" ثلاثي أيضا، ويوجد في مادة أخو عند الخليل، حيث يقول: "أخٌ وأَخَوَانِ وإخوة وإخوان. وبيني وبينه أخوة وإيخاء"[8].
ويقول الجوهري: "الأخ أصله أخو بالتحريك، لأنه جمع على آخاء مثل آباء، والذاهب منه واو، لأنك تقول في التثنية أخوان، وبعض العرب يقول أخان على النقص. ويجمع أيضا على إخوان"[9].والواو أيضا تظهر في مجموعة من التصاريف لكلمة أخ، مثل: أَخوان، إخوة، آخاء، إيخاء.
و"حم" توجد في مادة "حمو" في المعاجم العربية، إذ يقول الخليل: "الحَمْوُ أبو الزوج وأخو الزوج..."[10].وبالنسبة للجوهري: "أصل حمٍ حَموٌ بالتحريك، لأن جمعه أحماء، مثل آباء"[11].
نجد أن هناك بعض الصوتيات تظهر أيضا في "حم" عند تصرفها، مثل: الحمْو، حموان، أحماء. وفي عدة لغات في كلام العرب إذ يقول الخليل: "في الحمو ثلاث لغات، حماها مثل (عصاها)، وحموها مثل (أبوها) وحمؤها مقصور مهموز مثل (كمؤها) وتقول العرب حمأة حامية وكنة كاوية. وتقول: هذا حموكِ، ومررت بحميكِ ورأيت حماك مخفف بلا همز"[12].
ويقول الجوهري: "الأحماء واحدهم حما. وفيه أربع لغات: حماً مثل قفاً، وحمو مثل أبو، وحمٌ مثل أبٌ، وحمْءٌ ساكنة الميم مهموزة عن الفراء"[13].
ففي اللغات التي صدرت فيها عن العرب هناك لغة واحدة توجد فيها الواو هي "حمو"، ولغة جاءت فيها مهموزة حمْءٌ، وهناك لغتين وردت فيهما ثنائية دون إضافة صوت ثالث فالعرب تقول "حماً" و"حم". فالصوتين اللذين يظهران في كل اللغات التي وردت في "حم" وفي تصاريفها هما: "الميم، والحاء". أما الواو التي ذهب العرب القدماء إلى أنها من أصل الكلمة فلا تظهر إلا في بعض تصاريفها.
وأصل هن: "هنو" إذ يقول الجوهري: "هن على وزن أخٍ: كلمة كناية، ومعناه شيء وأصله هَنَوٌ. تقول هذا هَنُكَ"[14].
         ويقول الخليل: "أتاني هنٌ، والأنثى هَنَهْ إذا وقفت عندها، فإذا وصلت قلت: هذه هنة مقبلة، ومن العرب من يسكن نون هَنٍ، فيقول: هَنْتٌ. (...) وتقول العرب هذا هنوك"[15].
ويقولسيبويه: "هنوان فيجريه مجرى الأب. فمن فعل ذا قال : هنواتٌ، يرده في التثنية والجمع بالتاء"[16].
فأصل هن هنو بالنسبة للنحاة والمعجميين العرب القدماء؛ لكونها تظهر في بعض تصاريف الكلمة، حيث يُقال: هنوٌ، هنوان، هَنَواتٌ.
فهذه الأسماء الثنائية ترجع إلى أصلها عند أغلب النحاة في التثنية والجمع وعندما تكون مضافة وفي بعض السياقات الأخرى. فمن أمثلة ظهورها في التكسير، قول ابن السراج: "فإن كان فعَلٌ كسر في القليل على "أفعال" وذلك أبٌ وآباء. وزعم يونس أنه يقول: أخٌ وآخاء. وقال: إخوان"[17].
وفي الإضافة يقول سيبويه: "وذلك قولك في أب: أبوي، وفي أخ: أخويٌ، وفي حم: حمويٌّ. (...) واعلم أن من العرب من يقول: هذا هنوك ورأيت هناك ومررت بهنيك"[18].
ويذهب النحاة العرب إلى أن هذه الأسماء لا ترد إلا مضافة، إذ يقول الجوهري: "ولا يقال أخو ولا أبو إلا مضافا، تقول هذا أخوك وأبوك، ومررت بأبيك وأخيك، ورأيت أباك وأخاك. وكذلك حموك، وهنوك، وفوك، وذو مال. فهذه ستة أسماء لا تكون موحدة إلا مضافة. لأن الواو فيها وإن كانت من نفس الكلمة ففيها دليل على الرفع، وفي الياء دليل على الخفض، وفي الألف دليل على النصب"[19].
من خلال نص الجوهري نلاحظ أن هذه الواو التي تظهر في بعض تصاريف هذه الأسماء ليست أصلية فيها، فهي تدل على الرفع مثلها مثل الياء التي تدل على الخفض والألف التي تدل على النصب، فلو كانت أصلية لما تغيرت بتغير عوامل الإعراب.
ففي "أب" يقال: هذا أبوك، ورأيت أباك، ومررت بأبيك. وفي "أخ": هذا أخوك، ورأيت أخاك، ومررت بأخيك. وفي "حم": هذا حموك، ورأيت حماك، ومررت بحميك. ويقال في "هنو": هذا هنوك، ورأيت هناك، ومررت بهنيك.
ومما يؤكد أيضا أنها ليست أصلية، أن هذه الأسماء إذا لحقها التنوين تبقى على ساكنين فقط، حيث يقول برجشتراسر: "ومن الأسماء الثنائية ما آخره حركة ممدودة وهي بعض أسماء القرابة، نحو: "أبو" و"أخو" و"حمو"، ويشاكلها اسم محتو على حرف واحد فقط هو: "فو". والحركة الممدودة سالمة في المضاف، نحو: "أبو زيد" و"أبونا"، وقد قصرت مع التنوين، نحو: "أب" و "فم" (...). وحذفت مع ضمير المتكلم المفرد، نحو "أبي"[20].
فالواو الظاهرة عند الإضافة لا تظهر في جميع تصاريف الكلمة، إذ نجد أنها تختفي في عدة حالات منها: إذا نون الاسم أو إذا جاء مفردا، وتماشيا مع القاعدة التي انطلقنا منها والتي تفيد أن الصوتيات الأصول للكلمة هي التي تظهر في جميع تصاريفها، فإذا قلنا  ولدُ، ولدان، أولاد، أوقلنا: ولد زيد، أو "ولدٌ" منونة؛ نلاحظ أن الصوتيات الأصول لكلمة "ولد" تظهر في جميع تصاريف الكلمة. إذن فالجذر هو Öو ل د.
         ومن خلال المقارنة بين اللغات السامية يذهب ثلة من علماء اللغات السامية إلى أن هذه الأسماء ثنائية في الأصل، فأخ بالنسبة لموسكاتي ثنائية الأصل في اللغات السامية، إذ يقول: "أنظر الأكادية أخُ ahu "بمعنى أخ" والأوغاريتيةah والعبرية أح ah، والسريانية أحا ’aha(...) والإثيوبية ’ahu"[21].
ويقول بروكلمان: "ترجع الكثرة العظيمة، لأبنية الاسم في اللغات السامية، إلى ثلاثة أصول من الأصوات الصامتة، غير أنه يوجد أيضا بين الثروة اللغوية القديمة، أسماء ذات أصلين من تلك الأصوات، هي أولا: تلك الكلمات التي تدل على القرابة، مثل: (أب) و(أخ) و(حم)"[22].

المراجع المعتمدة

- في التطور النحوي للغة العربية، ، برجشتراسر، ترجمة: رمضان عبد التواب. مكتبة الخانجي بالقاهرة. ط 1994م.
-السيوطي، جلال الدين: المزهر في علوم اللغة وأنواعها. شرح وتعليق محمد جاد المولى بك، محمد أبو الفضل إبراهيم، علي محمد البجاوي، مكتبة دار التراث الطبعة الثالثة.(د ت).
-حلمي موسى علي : دراسة إحصائية لجذور معجم الصحاح باستخدام الكمبيوتر. الهيئة المصرية العامة للكتاب، ط 1978 .
- موسكاتي سباتير، أولاندورف أرفارد، شتلر أنطوان فون زود وفلرام، مدخل إلى نحو اللغات السامية المقارن، ترجمة: مهدي المخزومي، عبد الجبار المطلبي، ط الأولى 1993.
 - بروكلمان كارل: فقه اللغات السامية. ترجمة: رمضان عبد التواب. جامعة الرياض. ط 1977.




[1]في التطور النحوي للغة العربية، ، برجشتراسر، ترجمة: رمضان عبد التواب. مكتبة الخانجي بالقاهرة. ط 1994م. ص 95-96.
- المزهر، السيوطي، ج1، ص 72-73.[2]
 -دراسة إحصائية لجذور معجم الصحاح، حلمي على موسى، ص13.[3]
 -المرجع نفسه، ص13. [4]
 شرح الملوكي في التصريف، ابن يعيش، ص119.[5]
 العين، ج8، ص419.[6]
 الصحاح، الجوهري، ج6، ص2260.[7]
 العين، ج4،ص319.[8]
 الصحاح، الجوهري، ج6، ص2264.[9]
 العين، ج3، ص 311.[10]
 الصحاح، الجوهري، ج6، ص2319.[11]
 العين، الخليل، ج3، ص312.[12]
 الصحاح، الجوهري، ج6، ص2319.[13]
الصحاح، الجوهري، ج6، ص2536.[14]
  العين، لخليل، ج4، ص91-92. [15]
 الكتاب، سيبويه،ج3، ص 359-360.[16]
 الأصول في النحو، ج2، ص446.[17]
 الكتاب،ج3، ص 359-360.[18]
 الصحاح، ج6، ص2264.[19]
 التطور النحوي للغة العربية، برجشتراسر، ص96.[20]
 نحو اللغات السامية، موسكاتي، ص 143.[21]
 فقه اللغات السامية، بروكلمان، ص 93.[22]
تعليقات فيسبوك
0 تعليقات بلوجر

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إتصل بنا

الإسم الكريم البريد الإلكتروني مهم الرسالة مهم
كافة الحقوق محفوظةلـ تكنولوجيا التعليم 2016